أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

397

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

3102 - فإن تسألينا : فيم نحن ؟ فإنّنا * عصافير من هذا الأنام المسحّر « 1 » وردّ الناس على أبي عبيدة قوله لبعده لفظا ومعنى . قال ابن قتيبة : « لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التفسير المستكره ، مع ما فسّره السلف بوجوهه الواضحة . قلت : وأيضا فإنّ السّحر الذي هو الرّئة ، لم يضرب له فيه بخلاف السّحر ، فإنهم ضربوا له فيه المثل فيما بعد الآية من قوله : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ، لا يناسب إلا السّحر بالكسر . قوله : أَ إِذا كُنَّا . . . قد تقدم خلاف القراء في الاستفهامين ، كهذه الآية في سورة الرعد ، وتحقيق ذلك . والعامل في « إِذا » محذوف ، تقديره : أنبعث ، أو نحشر إذا كنّا ، دلّ عليه « مبعوثون » . ولا يعمل فيها « مبعوثون » ، لأنّ ما بعد « إنّ » لا يعمل فيما قبلها ، وكذا ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله ، وقد اجتمعا هنا ، وعلى هذا التقدير الذي ذكرته تكون « إِذا » متمحضة للظرفية ، ويجوز أن تكون شرطية ، فيقدّر العامل فيها جوابها ، تقديره : أئذا كنا عظاما ورفاتا نبعث ، أو نعاد ، ونحو ذلك . فهذا المحذوف جواب الشرط عند سيبويه . والذي انصب عليه الاستفهام عند يونس . قوله : وَرُفاتاً الرّفات : ما يولغ في دقّه وتفتيته ، وهو اسم لأجزاء أخرى الشيء المفتّت ، وقال الفراء : « هو التّراب » . ويؤيده أنه قد تكرر في القرآن « تُراباً وَعِظاماً » * . ويقال : رفت الشّيء يرفته - بالكسر أي - كسره ، والفعال يغلب في التّفريق ، كالحطام ، والدّقاق ، والفتات . قوله : « خَلْقاً » يجوز فيه وجهان . أحدهما : أنه مصدر من معنى الفعل ، لا من لفظه ، أي : نبعث بعثا جديدا . والثاني : أنه في موضع الحال ، أي : مخلوقين . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 51 إلى 54 ] أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 ) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 ) قوله : قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، أي : الذي فطركم يعيدكم ، وهذا التقدير فيه مطابقة بين السؤال والجواب .

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 71 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 381 ) ، الطبري ( 15 / 63 ) ، البحر المحيط ( 6 / 44 ) ، روح المعاني ( 15 / 90 ) .